بين مبادرة رئيس الجمهورية والنهي عن «إلقاء النفس في التهلكة» خلاص لبنان

في 9 آذار 2026، وخلال  الاجتماع الافتراضي الذي نظمه رئيس المجلس الاوروبي انطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الاوروبية السيدة اورسولا فون دير لاين للبحث في الاوضاع التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط نتيجة التطورات العسكرية الاخيرة وتداعياتها على لبنان، أطلق رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون  مبادرة تهدف الى وضع حد للتصعيد الاسرائيلي المتجدد ضد لبنان ترتكز على النقاط الاربع التالية:

أ‌- إرساء هدنة كاملة مع وقفٍ لكل الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان .

ب‌-  المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية.

ج- تقوم هذه القوى فوراً بالسيطرة على مناطق التوتر الأخير، ومصادرة كل سلاح منها، ومصادرة سلاح حزب الله ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها لها.

د‌- وبشكل متزامن، يبدأ لبنان واسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق.

تهدف هذه المبادرة الى النأي بلبنان عن الصراع الاقليمي- الدولي في الحرب الاسرائيلية الاميركية الايرانية، وتجنيب لبنان تبعات هذا الصراع وحمايته من التدمير والقتل ومن تشريد أبنائه، وإذا كان تلكؤ الحكومة اللبنانية وأجهزتها الأمنية والعسكرية في حماية اللبنانيين ولا سيما أهل الجنوب، من خلال التسويف والمماطلة في عملية حصر سلاح «حزب الله»، يعتبر خذلان لهؤلاء المواطنيين ورميهم في أتون صراع إيران وأذرعتها مع الولايات المتحدة واسرائيل، فإن هذه المبادرة تعتبر محاولة جدية لسحب البساط من «حزب الله» المتحكم باشعال الفتيل العسكري وجرّ لبنان دون إذن الى صراع عسكري لا يعرف أفقه أو حجم أضراره على كل اللبنانيين.

بين الجهاد و«القاء النفس في التهلكة» شروط شرعية

تتماهى هذه المبادرة مع محاولات بعض رجال الدين اللبنانيين العقلاء والمعتدلين من الطائفة الشيعية إعلاء الصوت ورفض الاسلوب الانتحاري الذي استعمله حزب الله في جرّ لبنان واللبنانيين الى منازلة عسكرية غير متكافئة ومختلة الميزان بشكل هائل تساعد في قتل وتهجير وتشريد اللبنانيين ولا سيما أبناء الطائفة الشيعية ويعرضهم للتهلكة وهو ما يتعارض بشكل كامل مع المفهوم الشرعي الديني النهي عن «إلقاء النفس في التهلكة» الذي طالما كان السند الأساسي للطائفة الشيعية وفقهاءها في الحفاظ على الكيان والوجود والاستمرار على مرّ العصور، ويعتبر السيد علي الأمين أن التماهي مع أجندات خارجية لا يجلب سوى العزلة والخسارة،  ويجب وضع المصلحة الوطنية فوق الولاءات الفئوية، فـ “«يد الله مع الجماعة»، وإذا كانت كل الجماعات في لبنان هي مع مرجعية الدولة وحصرية السلاح بيدها، فيجب أن ينضم الشيعة إلى بقية الجماعة”، معتبراً أن توريط الطائفة في نزاعات مسلحة وخارجية يُعدّ «رمياً للنفس في التهلكة» ومخالفة للمصلحة الوطنية ولنهج العيش المشترك في لبنان، ويشدد في كتابه «زبدة التفكير في رد السب والتكفير» على ذكر الفقهاء شروطاً عدة للجهاد في كتبهم الفقهية كـ “وجوب الاعداد والاستعداد، ووجوب تجنيب ويلات الحروب للأبرياء من النساء والرجال والشيوخ والاطفال، والابتعاد عن اماكن العبادة وعدم إلحاق الضرر بالشجر والجيوان” وهو ما يختلف اختلافاً جوهرياً على ما نشاهده اليوم من استسهال لفتح جبهات كرمى لهذا وذاك، فيما يوصّف الشيخ محمد علي الحاج العاملي  ما قام به «حزب الله» في لبنان بـ «رمي النفس في التهلكة»، “فهناك جماعة تريد أن تأخذ الناس الى خيارات ليست مسؤوليتها على المستوى الشرعي، فليس مسؤولية اللبنانيين الشيعة الشرعية أن  يقوموا بدور على مستوى كل الأمة الشيعية وأن يساندوا كل الأمة، فهناك معايير عديدة تستند الى الآية الكريمة «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها»، فهل ما قامت به هذه الجماعة بالوسع؟ وبالتالي هناك الكثير من المفاهيم التي طرحت في السنوات الأخيرة هي غير شرعية إطلاقاً، فمثلاً على المستوى الشرعي، لا بد أن نأخذ ظروف المكان والزمان ودراسة الظروف الموضوعية والبحث وتحقيق الامور حيتى يتم تشخيص الواجب الشرعي ما هو، وليس الالتزام اعتباطاً بحكم آخرين لهم ظروفهم الموضوعية المختلفة، ولا يجوز مساندة الآخرين في ظل عدم وجود قدرة موضوعية على ذلك، وبالتالي لا يجوز تحميل مسؤولية مساندة الأمة لجماعة صغيرة في لبنان، هذا شرعاً تكليفاً بما لا يطاق، وبالتالي إنطلاقاً من ذلك شرعياً، يجب أن نكون كلبنانيين شيعة أكثر واقعية، ونخرج من خطاب هذه الجماعة الغرائزي أو الطائفي أو العاطفي وعدم التحرك كيفما كان، بل يجب الذهاب الى خطاب عقلاني يشخص الأمور بواقعية وبمسؤولية أخلاقية ودينية وشرعية، يكون مدخل لأن ننتهي من هذه الأزمة، فابناء الطائفة الشيعية في لبنان عليهم مسؤولية رئيسية شرعية هي عدم الانصياع لإرادات وقرارات لا تكون منسجمة بل يمكن أن تكون متعارضة مع المستوى الشرعي”. 

وبالتالي لا بد شرعاً من تحكيم العقل واتباع الموضوعية في قراءة الاحداث والأمور ورفض كل قرار أو إرادة يمكن أن تودي الى التهلكة، ويتجانس هذا الخطاب مع توجهات المبادرة الرئاسة ويمكن أن يغطيها دينياً ويساعدها كسند ديني للتحفيز على السير بها كمبادرة وطنية لبنانية مكتملة العناصر وقابلة للتطبيق، لتكون خشبة الخلاص للوصول بلبنان واللبنانيين ولا سيما اللبنانيين الشيعة الى برّ الأمان وانقاذهم من واقع القتل والتهجير والتدمير الذين يعانوه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Recent Comments

لا توجد تعليقات للعرض.